في زاويةٍ خفية من روحي، تُحلِّق نسمةٌ رقيقة، كعطر الورود في صباح الخريف، حين تلتقي حرارة الشمس بندى الليل، فتَصْدَح الأرض بأنغام الصمت، وتَثُور الحروفُ على الورق طيفَ مشاعر.
أنا الذي أمشي بين الناس بوجهين؛ وجهٌ للدنيا مُبتَسِم، ووجهٌ للذاتِ مُتألِّم. لا يعلمون أنني أخبئ في جيبي حزمةً من ذكرياتٍ...
في زحمة الحياة، واختناق الأيام،
أدركتُ أن من أصعب ما يُتعب القلب هو الكلامُ الزّائد،
والضوضاء التي لا تحمل معنى،
والأحاديث التي تُلهث خلف الآخرين ولا تصل إلى القلب.
صار العالم كله في حركة،
لا أحد ينتظر أحدًا،
ولا أحد يستمع لنَبضِ نفسه.
فقررتُ أن أجلس،
لا أهتمُّ لكل ما لا...
---
يا أيتها المدينةُ التي تسكنين في دفاتري،
وفي عتمةِ الليالي حين يصبحُ الصمتُ أكثرَ حضوراً من الكلامْ.
أنتِ ليست مجرد امرأةٍ تمرُّ على وجهِ الريحِ،
بل أنتِ ذاك النكهةُ الفريدةُ التي تضيفُ للحياةِ معنى،
واللونُ الذي يغسلُ الرماديَّ عن جدرانِ الروحِ المتعبةْ.
كيف لي أن...
يا مدينةً من ورقٍ وأحلامْ،
كيف أصفُكِ والكلماتُ عاجزةٌ عن الكلامْ؟
أنتِ البسمةُ التي تسكنُ في عمقِ وجعي،
وأنتِ القصيدةُ التي لم تنتهِ أبياتها بعد بين السطورِ والأوهامْ.
كم مرّتْ بكِ أقدامٌ تحملُ الحنينَ،
وكم عبرتْ بكِ أرواحٌ باحثةٌ عن معنى للحياةِ... لكنها ضاعت في متاهاتِ الغيابْ...
هنا، حيث يبدأ الكلام
ويضيع في صمت الحقول،
أقف كالظلّ الذي فقدَ جسده،
أو كالأرض التي تنتظر المطر
ولا تدري متى سيأتي...
كيف للزمن أن يكون وطنًا؟
وكيف للغياب أن يكون حضورًا؟
أسألني والريحُ تردد صدى خطواتي:
هل نحن نمشي نحو الغد، أم ندور حول ذاكرتنا؟
أخذوني ذات ليلٍ بعيد،
وتركوا...
لستُ ملاكًا بلا أخطاء.. ولكني
إنسانٌ يحترمُ المشاعرَ والعهودا
قد أَعْصي.. لكنني لا أهجرُ صاحبًا
ولا أخونُ، وإن جرحتُ أعتذرُ وُرُودا
لا أحبُّ أن أكونَ جرحًا في ضلوعِ أحدٍ
فإن لم أجدْ في قلبِك لي مَرسىً وُجودا
فسأرحلُ بصمتٍ.. أحفظُ كرامتي
فالحياةُ تُعلّمنا: بعضُ الوداعِ.. جَمودا!
في الصباح، حين تستيقظ الدنيا على نغمة النور الباكر، وتبدأ الشمس بخطواتها الهادئة في صعودها نحو السماء، تتكشف الأرض بأسرارها البسيطة التي لا تُملّ. الضوء الذهبي ينسكب بين أغصان الأشجار كأنه قيثارة تداعب الوتر الأول لأغنية الحياة.
الهواء الصباحي نقي وبارد، يحمل معه رائحة التربة المبللة بالندى،...
يا سيدةَ الأزقةِ العتيقة،
كنتُ أظنُّ أنَّ الزمنَ يمرُّ كالنهر،
حتى رأيتُكِ..
فإذا هو يتوقَّفُ عند عتبةِ عينيكِ،
ويَنسابُ بخُطى الحكاياتِ القديمة.
في ظلِّكِ،
تعلَّمتُ أنَّ الساعاتِ ليستْ أرقامًا،
بل هي أنفاسٌ تُعلِّمُنا الصبرَ،
وأحلامٌ تُعلِّقُ على جدرانِ الذاكرةِ
مثلَ فانوسٍ...
سيدتي،
لا تسألي عن سبب الصمت،
فأنا لا أملك إجاباتٍ تليقُ بجمال السؤال.
هنا، حيثُ تنتهي الكلماتُ إلى بحرٍ من الضوء،
أكتبُ اسمكِ على جدارِ الزمنِ العتيق،
وأتركُ للريحِ مهمةَ النسيان.
سيدتي،
أنتِ الحكايةُ التي لم تُروَ بعد،
والمطرُ الذي يغسلُ جراحَ المدن.
أنتِ الوطنُ...
"لم أكن الصديق الوحيد لأي شخص، لم أكن حلمًا لشخص يحبني، لم أشعر أنني الخيار الأول والأوحد في حياة أحد ولو لمرة، كنت دائمًا شخصًا عابرًا في حياة الجميع."
- أحمد خالد توفيق | painting by edward hopper