عادل بوتوم
سكساوي بريمو
عضو
ناشر قصص
- إنضم
- 22 مارس 2025
- المشاركات
- 101
- مستوى التفاعل
- 272
- نقاط نودزاوي
- 1,883
- الجنس
- ذكر
- الدولة
- مصر
- توجه جنسي
- انجذب للذكور
Offline
ففي ديسمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين استيقظ العالم على تفاصيل جريمة هزت الكيان البشري جريمة لم تكن بشاعتها في كيفية وقوعها فحسب بل في السر الذي ظل مدفوناً تحت أقدام عائلة كاملة لأكثر من ثلاثة وعشرين عاماً فهل يمكن للأم أن تخفي سر مقتل ابنها وهل يمكن لقاتل أن يعيش حياته يتزوج ويرزق بالأطفال بينما شقيقه جثة هامدة تحت بلاط المطبخ الذي يأكلون فيه يومياً هذه ليست رواية خيالية بل واقعة حدثت بالفعل وكشفتها الصدفة والضمائر المعذبة وبدأت القصة في عام ألفين وواحد داخل منزل بسيط يضم أماً وثلاثة أشقاء وشقيقة صغرى وكان الأخ الأكبر محمود البالغ من العمر ثلاثين سنة يتسم بطبع حاد للغاية وكانت علاقته بشقيقه سامر البالغ من العمر أربعة وعشرين سنة متوترة دائماً ومشحونة بالخلافات والنزاعات التي لا تنتهي أما الشقيق الأصغر علاء البالغ من العمر تسعة عشر عاماً فقد كان مقرباً جداً من سامر وكانت تجمعهما علاقة أخوة وصداقة متينة وفي تلك الفترة كان علاء يقضي عقوبة سالبة للحرية في السجن وكان سامر والأم يواظبان على زيارته كل يوم جمعة دون انقطاع لتخفيف وطأة السجن عنه وفي إحدى الجمعات ودع سامر شقيقه علاء واعداً إياه باللقاء في الأسبوع القادم وبكلمات مليئة بالأمل لكن الجمعة التالية جاءت ولم يأتِ سامر ثم مرت جمعة ثانية وثالثة حتى انقضى شهر كامل وعلاء يعتصر قلقاً خلف القضبان يتساءل عن غياب رفيق دربه وأخيه المفضل وأخيراً ظهرت الأم وحيدة بملامح يكسوها الجمود وعندما سألها علاء بلهفة وخوف أين سامر ولماذا انقطع عن زيارتي أجابت ببرود مريب لا يتناسب مع عاطفة الأمومة لقد غادر سامر سراً إلى إيطاليا بحثاً عن عمل وحياة أفضل وسيتصل بنا حال وصوله وتأمين وضعه هناك لم يصدق علاء هذا الهراء فسامر لا يمكن أن يغادر البلاد دون وداعه ودون ترتيب أموره معه لكنه لم يملك سوى الانتظار والصمت القاتل ومرت ستة أشهر ثم سنة ثم سنوات طويلة وسامر مختفٍ تماماً عن الأنظار لا اتصال ولا رسالة ولا خبر يطمئن القلوب وخرج علاء من سجنه وبدلاً من الاحتفال بحريته بدأ رحلة بحث جنونية ومضنية سأل الجيران والأقارب والأصدقاء والكل كان يجيب بنفس الرواية التي زرعتها الأم في عقول الجميع وهي أنه هاجر إلى إيطاليا لكن قلب علاء كان يخبره بشيء آخر تماماً فكلما فتح الموضوع في البيت كان الأخ الأكبر محمود ينفجر غضباً بطريقة هستيرية وتتحول المناقشة إلى عراك جسدي عنيف ينتهي بتدخل الشرطة وسجن علاء مرة أخرى بتهمة الشغب وإزعاج السلطات وكان محمود يحاول خنق الحقيقة بالقوة والترهيب بينما كانت الأم تراقب كل هذا الصراع في صمت جنائزي مخيف وفي عام ألفين وستة أو سبعة تزوج محمود وفي ليلة الزفاف حدث أمر غريب جداً أثار الريبة في نفوس الحاضرين حيث دخل والد العروس وسحب ابنته بالقوة وأوقف الزواج فجأة دون إبداء أسباب واضحة ليطلقها محمود لاحقاً ويتزوج من امرأة أخرى في عام ألفين وثلاثة عشر وبدأت الشائعات تهمس في أزقة الحي الفقير بأن هذه العائلة تخفي سراً مظلماً وأن هناك مجرماً يعيش بينهم بدم بارد ومرت السنوات وانتقل محمود والأم إلى منزل جديد في منطقة أخرى بينما بقي علاء وزوجته وأطفاله في المنزل القديم الذي شهد اختفاء سامر وفي أحد الأيام من عام ألفين وعشرين دخلت زوجة علاء وهي ترتجف من الرعب ملامحها مخطوفة وقالت له بلسان ثقيل لقد رأيت شقيقك محمود يهدد شقيقتكم بمنجل حاد في يديه وكانت تصرخ في وجهه بانهيار هل تريدني أن ألحق بأخي سامر هل تريد قتلي كما فعلت به هنا سقطت كل حصون الشك في قلب علاء وقرر مواجهة الأم بطريقة انتحارية يائسة حيث قيدها في غرفة وأغلق النوافذ وسكب البنزين على جسده وهدد بإحراق البيت بمن فيه إن لم تنطق بالحقيقة المرة التي أخفتها لعقود وهنا انهارت الأم واعترفت وهي تنشج بالبكاء قائلة إن محمود قتل سامر بضربه على رأسه بآلة حادة بسبب خلاف تافه على دراجة نارية ثم قام بدفنه بجانب البئر وتهددنا بالقتل جميعاً إن نطقنا بكلمة واحدة لدرجة أننا عشنا في رعب دائم منه واصطحب علاء أمه فوراً إلى مركز الشرطة لتقديم البلاغ لكن الأم وبراعة الممثلين المحترفين أنكرت كل شيء أمام الضابط بمجرد وصولها واتهمت ابنها علاء بالجنون والهذيان والرغبة في الانتقام من أخيه محمود للاستيلاء على الميراث ولأن هاتف علاء الذي سجل فيه اعترافها قد ضاع في زحام الطريق تم اتهامه بالبلاغ الكاذب وسجنه مجدداً وضاعت الحقيقة مرة أخرى في دهاليز الأكاذيب وفي ديسمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين حدثت المعجزة الإلهية حيث توجهت زوجة القاتل محمود إلى الشرطة ببلاغ صاعق وقالت إن زوجها يتحدث في نومه منذ سنوات طويلة بكلمات مرعبة عن قتله لأخيه ودفنه في مكان لا يخطر على بال أحد لكنها كانت تخشى التحدث خوفاً على حياتها وحياة أطفالها وبعد خلاف عائلي عنيف قام فيه محمود بضربها ضرباً مبرحاً قررت فضح أمره ووضع حد لهذا الكابوس واستدعى المحقق علاء من جديد ولأول مرة وجد أذناً صاغية وقلباً ينصت لأوجاعه بجدية وبناءً على رواية الزوجة الجديدة التي كانت أكثر دقة توجهت فرق البحث ليس إلى البئر كما قالت الأم سابقاً لتضليلهم بل إلى مطبخ المنزل القديم الموحش وبعد حفر شاق استمر لأكثر من خمس عشرة ساعة متواصلة اخترق العمال طبقة سميكة من الخرسانة والرخام التي وضعها محمود بعناية لتظهر الفاجعة وهي عظام بشرية نخرها الزمن كانت عظام سامر المسكين الذي ظل مدفوناً هناك لثلاثة وعشرين عاماً تحت أقدامهم وانهار علاء عند رؤية بقايا شقيقه وصار يصرخ ويبكي سنوات عمره الضائعة والصدمة الأكبر التي زلزلت كيان الجميع هي أن العائلة عاشت وطبخت وأكلت واحتفلت وأقامت الولائم فوق تلك الجثة طوال تلك السنين دون ذرة من ندم أو رحمة أو إحساس بعظم الجرم المرتكب وهذه القصة تذكرنا بأن الظلم مهما طال ليله فلا بد من شروق شمس الحقيقة والعدالة قد تتأخر لكنها لا تموت أبداً وصوت الضمير يلاحق المجرم حتى في أحلامه فالمجرم قد يهرب من القانون لكنه لا يهرب من خيالات الضحية التي تلاحقه في اليقظة والمنام والروابط العائلية التي تكسرت في هذه القصة هي الأبشع لأنها مست أقدس الروابط البشرية ولولا إصرار علاء لربع قرن على كشف الحقيقة لظلت هذه الجريمة منسية في طي الكتمان